ستي بتحكي لعائد - ناريمان شقورة

"ما بلشنا نسمع هالطيران وهالغارات اللي ورا بعض الا لمينا اهم اغراضنا وشردنا عالقرى يلي حوالينا، هيك بلشنا عاساس راجعين بس يهدا الخبط والرقع، بس يا ستي المصيبة انه بلش يزيد وكان يجي ناس يهمسولنا من القرى يلي جمبنا انهم جايين علينا يقتلوا فينا، وضل الخبط يزيد فصرنا نحنا والقرى يلي رحنا عليهم كلنا نطلع ورا بعض، يلي حاملة ابنها عايدها ويلي بجر حماره ومحمل عليه حاجات كتيرة ويلي اخد معه كم ذهبة، والناس كلها تجري من صوت القصف، صرنا نمشي ورا بعض ومنعرفش بعض، انا وكان عندي ابني يوسف ومع عميان قلبي والخوف والهم عالدار والاراض يلي تركناها، نسيت يوسف في اول قرية جمب المجدل، وفطنت عليه بعد ما مشينا مسافة وفقدت نص عقلي وكيف بدي اوصله ووين اذا يلي كنا عندهم كمان طلعوا من دارهم، نحنا وماشيين سمعت ناس بينادوا ولك يا مريم وينك يا مريم، والله ولحقوني بيوسف وانا أصلا بدور عراغب الله يرحمه"

 

ما سبق هو ما قالته جدتي وهي تتنهد بحسرة مرة وتدمع بقهر مرة

سألتها: "طيب يا ستي وبعدين شو سويتوا؟"

كانت اقرب مدينة امنة للمجدل هي غزة، ورحنا وراحوا معانا كل القرى يلي حوالينا الجورة وحمامة وبربرة وبرير ونعليا كلياتنا رحنا عغزة، وووين مكان قعدنا، وطبعا مفكرين انه كم يوم وراجعين، وساعة بعد ساعة ونهار وراه ليل، ويوم بعد يوم بين انه فش رجعة والناس يلي عبتيجي من كل المدن والقرى بخرفوا عجب، من اللد والرملة ويافا وحيفا، وبين يما انه فش رجعة، يلي كان معاه قرشين كرا (تأجر) دار، واللي كان مقرش شرا دار صغيرة، والمعظم نصب خيام وقعد، وبعد بفترة ونحنا عحال الخيام لغاية ما بلشت الوكالة (الانوروا) الله لا يكسبها خربت ديارنا واحنا فرحانين انهم بيساعدونا بالطحين وحليب الصغار والعدس، وشوي عشوي بنولنا مخيمات في البريج والنصيرات وخانيونس ورفح وجباليا والشاطئ، وبلشوا يوزعوا أراضي ويبنوها اسبست وزينغو، وعملوا مصحات ومستوصفات طبية صغيرة زي السويدي هاليومين للتطعيم الصغار وتوليد النسوان وهيك شغلات بلشت عابو خفيف، واخدت وقت لعملوا مدارس.

 

نحنا سكنا في الأول في حي البريج وبس انبنى المخيم نقلنا عمخيم الشاطئ، ومكنتش المخيمات زي ما هي اليوم، كانت حجار باطون وزينغو وشوارع رمل، وظلينا يوم بعد يوم نستنى بهالرجعة، وما رجعنا وصرنا نعيش ونتاجر ومنا مين يداين ومنا راح عسوريا وعلبنان والأردن ومصر لما صارت النكسة.

 

طيب يا ستي كيف بتصرفوا كنتو؟

كنا في المجدل عنا كروم عنب وكلها راحت يما، وكانت بلدنا يجوا عليها من الشام يتاجروا وفيها ميناء، وكانت مشهورة بالنول والنسيج والغزل، فلما سكنا وكنا في ضيق، بعنا هالذهبات وشوي اتداينا، وبعدين صار أبو يوسف يشتغل عتراك سواق بين اريحا وغزة، ينقل بضايع، وخلفت سعاد وإبراهيم ابوك ووداد وسهيلة وهداية ونعمة، ولما صار يوسف 18 او اصغر مش متذكرة تركنا وراح عند أبو عمار في لبنان، وتجوز يما ولا شفت عروسته ولا خلفته يما ولا اشي، وكان يبعت مرات مراسيل والجيران يقروهم، وكبر شوي إبراهيم ولحق اخوه يما حبيبي عند أبو عمار وفتح والمنظمة وما رجع، ويا عيوني وانحرمت ولادي يما، وكل الناس ولادهم حواليهم الا انا، وما وفيت الل40 سنة وكنت مترملة وعندي 5 بنات، ولا عندي مصاري ولا أبو راغب ترك اشي، وبلشت اتاجر تجارة بسيطة بين مصر وغزة اروح اجيب ملايات وبشاكير(شراشف) وابيع وحاجات للصغار وابيع ويا دوب كنت ادبر حالي انا وهالبنات وعلمتهن في المدارس، وكان ييجوا اهل ابوهم للبنات يعطوهم مصاري، ولا شيقل ولا ليرة رضيت اخد من حد وضلينا مستورين والحمد لله، وولادي ظلوا متغربين عني وكمان تصاوب إبراهيم في حرب لبنان، وتجوز إبراهيم في عز الحرب في 82 ولا في عرس ولا في اشي وقلبي يما بيغلي عليه وعلى اخوه، ولا بعرف ولادهم، جوزت سعاد وطلعت مع جوزها عابو ظبي في الغربة، ومرات كانت تبعت لخواتها شوية دراهم، وكرت المؤن وطحين وحليب الوكالة والكابونات كل شهر، وبعدها تجوزت وداد وسهيلة، واشتغلت هدايا ونعمة الله يرضى عليهم ويصرفوا عالبيت، وهيها هداية تغربت في الامارات وضل عندي نعمة الله يرضى عليها وهيها مديرة مدرسة بس بتروحش الشغل وهيها معي.

 

ولما رجع أبو عمار رجعلي ابني الصغير إبراهيم بعد 20 سنة غربة هو وولاده وضل يوسف فوق ال30 سنة غربة، ولما اجى إبراهيم كان مخلف ولاده ال4، ولاني مفرحتش فيه ولا بولاده، خليت مرته تحبل وجابتك يا عائد وانت فرحتي الأولى والأخيرة من ولادي لانك الوحيد اللي حضرت ميلادك، وعملنالك حفلة كل غزة اجت عليها، طبل وزمر وعويدة وأنا ركصت كتير وهاهيت يا حبيبي.

ومع انه عائد بيعرف انه أهلي سموه هيك لأنه أول ولد الهم في البلاد، إلا أنه ستي ذكرته وفهمته إنه اسمه عائد عشان لازم يعود يوما ما عالمجدل

 

ستي خلصت حكي بهديك الليلة وما خلصت قصصها وروايتها عن البلاد وعن المجدل وأهل المجدل وعن شهداء المجدل وأخوها يوسف الأشقر(شقورة) واحد منهم واستشهد في عمل فدائي ضد البريطانيين وعن الزواج زمان وعن كروم العنب وعن الخياطة والغزل والنسيج، وعن مَدنية المجدل والتجارة فيها، وعن العودة وعن الأنوروا وعن شغلات كتير.

 

ستي مخبية مفتاح بيتها وعندها أمل بالرجعة، وبتضل منشطة ذاكرتها بذاكرة البلاد وحكاوي البلاد.

 

كتابة :

ناريمان شقورة

نصوص ذات صلة

اعتاد أبو مستو الرجل النحيل المكافح المجد الراضي ، أن يستيقظ صباحا دون أن يأخذ قسطه الكافي من النوم ، ولكنه يؤكد أثناء وبعد استيقاظه وفي الوقت الذي يمضيه فور استيقاظه بالحمام أنه أخذ قسطه الكافي من... Read More
الأيوبي المُنتظر كتبتُ على حائِط حيّنا أنْ لا مكان للغرباءِ بينَنا أنِ احموا بيتَنا إنْ غَلّقوا الأبواب  أو نجّسوا التُراب فإنّ الطُهر للأرض قد روي من دماء الشهداء وعن أنجسِ الأذناب... Read More
  غَاليتـي ، يَـا من تَحملت غُربتنـا ، و حَملت في جوفها تعباً ... أَكتبُ لكِ الآن وسط غُبار النار المُتطاير هُنا وهُناك ، و رذاذ الشتاء المتهاوي على هذه الورقة و المُحمل بالبرد الذي يَشعرني... Read More