عشيّة الأوّل من أيّار - الهام دعبول

أعيد نشرها اليوم، إذ أنّ قصصًا مشابهة للأسف ما زالت تجتاح الكثير من الأطفال-العمّال:

أمس، جلست وحاسوبي على شرفتي قبالة الشارع الرئيسي، أصارع الوقت وأقرقط أظافري لاتمام مهمة بحث وارسالها عن طريق البريد الألكتروني قبيل الساعة الثامنة مساء، حتى يتسنّى لي المشاركة باحدى النّدوات الثّقافية. لم أهتم حتى باضاءة المصباح كي لا أخسر بضع ثوان من العمل. واذ بطفلين يحملان البضائع يدخلان الشرفة دونما استئذان.
مرحبا خالة...معنا كلسات رجالي وبلاستر ومماسح وفوط وفانيلات و و و ...
جسدان أسمران نحيلان هزيلان لأخوين بملامح جميلة جدا، يبدو عليهما الارهاق من حمل البضائع. الأول استمر بسرد ما لديه من بضاعة والثاني يرتجف من البرد. توقّف تقرقط الأظافر هناك...لا معنى الان لأي زمن...
حسنًا أريد الفوط والبلاستر. من أين الشباب؟ 
من جنين خالة. 
سأحضر لكما النقود. هل تريدان تناول الفاكهة؟
يا ريت ساندويشة خالة. نطقها الصغير بمذلة وكأنه يطلب أمرا صعبا.
حقيقةً، عندها لعنت العلوم والزمن والحياة كلّها وأردت أن أجهش بالبكاء، لكني حافظت على قناع كانوا بحاجة له...كان وجهي يبتسم كل الوقت وأنا أردد:
انت بس أؤمر...يسعدهن الشباب الچدعان...الله ما أحلى ألوان الفوط...استنوني شوي...اقعدوا حبايبي.
انتظر الطفلان بعض الشيء وأحضرت لهما النقود وبعضا من الخيرات التي يجب أن تتوزع بالتساوي بين الناس...أحضرت معطفا بات قياسه لا يلائم أبني.
ما زال الأطفال أحدهم يقف مرتجفا والاخر منخفضا على الأرض...كيف لهذين الطفلين أن يمارسا الشعور بالاعتزاز والكرامة بعد كل هذا الذل والاهانة؟ حتى المقعد لا يجلسان عليه...
تحدّثنا ما يقارب بضع دقائق واستفسرت عن تعليمهما...
كانا قد استعادا بعضا من تقدير الذات ومعدة مرتاحة والأهم، أن الصغير لم يعد يرتجف من البرد! انصرفا، وبيد كل منهما " كعكة الفصح" 
أسرعت لارسال ملفات الوظيفة بحاسوبي التافه بأهميته أمام هذه المهزلة الأخلاقية...وشعور بالغصة يخنقني...كدت أفقد الدافعية لارسالهم الان...فوضى مشاعر أواجهها كلّما التقيت أطفالا يعملون بمثل هذه الظروف!

عاشت أطفال فلسطين والعالم معززة مكرّمة ومتحرّرة من بطش الرأسمالية!

نصوص ذات صلة

اعتاد أبو مستو الرجل النحيل المكافح المجد الراضي ، أن يستيقظ صباحا دون أن يأخذ قسطه الكافي من النوم ، ولكنه يؤكد أثناء وبعد استيقاظه وفي الوقت الذي يمضيه فور استيقاظه بالحمام أنه أخذ قسطه الكافي من... Read More
الأيوبي المُنتظر كتبتُ على حائِط حيّنا أنْ لا مكان للغرباءِ بينَنا أنِ احموا بيتَنا إنْ غَلّقوا الأبواب  أو نجّسوا التُراب فإنّ الطُهر للأرض قد روي من دماء الشهداء وعن أنجسِ الأذناب... Read More
  غَاليتـي ، يَـا من تَحملت غُربتنـا ، و حَملت في جوفها تعباً ... أَكتبُ لكِ الآن وسط غُبار النار المُتطاير هُنا وهُناك ، و رذاذ الشتاء المتهاوي على هذه الورقة و المُحمل بالبرد الذي يَشعرني... Read More