ذكريات في مهب الحياة - فدوى يحي

      كل الاضواء المشعة المنبعثة من المصابيح في الشوارع والارصفة ،من البيوت المغلقة في الامسيات الباردة، من السيارات المنطلقة مبددة ظلمة الليل ....تعجز عن اصابة قلبها بعدوى النور....... قلب لطالما اعتصرته المحن مخلفة سوادها نقاطا ما عاد النور قادرا على تبديدها.

جل ما عرفته لم يتعدى ما تلقنته على مدارج الدراسة حيث دأبت على الابداع. كانت حياتها ورقة وكتاب ..... اخذت نفسا عميقا دنت من النافذة واطلقت العنان لمكبوتات صدرها عبر زفير استطاع ان ينقل ضباب مشاعرها الى زجاج نافذتها ، مدت يدها رسمت قلبا ومسحته بسرعة لتبدد الضباب ولتستطيع النظر من خلال نافذتها الموصدة ......... كانت متيقنة من حتمية التغيير فبعض ما يستعصي اصلاحه يكون مسحه وإلغائه ادخارا للوقت والجهد الضائعين.

كل حكاياتها تبتدأ مع الليل ففيه يجن قلمها وتهاجمها الذكريات ......لتقع فريسة القلم وسجينة الاوراق.... البعض يتعايشون مع أخطائهم بسلام فبتجاوز الخطأ الاول تصبح تعودا و إدمان ، والبعض الآخر يطاردهم تأنيب الضمير حيثما ذهبوا،ليجدوا انفسهم في كابوس دائم لا امل في الاستفاقة منه..... نامت نوما عميقا لم تنمه منذ وقت ليس بالقريب ، افاقت سعيدة مستبشرة باليوم الجديد فقد قررت الاعتراف بسذاجة السنين المنفرطة من عقد عمرها ..... تناولت هاتفها الخلوي وهاتف داخلها يهتف حان الوقت وساعة الحساب لا مفر منها ،وقت السداد قد حان ، لا صمت بعد اليوم..... صباح النور ......وافني الى كافيتيريا اقامتنا لدي ما اقوله لك .

وأنهت المكالمة بيد مرتعشة.... ارتدت ملابسها مسرعة ،اسدلت خصلات شعرها الكستنائية بعفوية القت نظرة اخيرة على المرآة لمحت بريقا يشع من عينيها فرحا بانعتاق جزء منها لطالما اسره خوفها منه ومن خسارته...... كانت تحتسي فنجان قهوتها حين راته يقترب مبتسما طالعته بابتسامة باهتة تنم عما في خاطرها: - تأخرت - قليلا فقط ههههه - نظر اليها وهو يشعل سيجارته ويلوح بيده في الهواء لتهوي ماسحة على رأسه في حركة لمداراة توتره: "أين توقفنا البارحة". - نحن متوقفين منذ زمن طويل لو انك تلاحظ.... رمقها بنظرة تنم عن استغراب وعدم استيعاب - لم أعلم ذلك قالها مستهزءا وهو يطفيء سيجارته - سئمت المحاولة ،لم أعد قادرة ، هذه المرة سأصدقك وأصدق نفسي القول ..... - ماذا قررتي قالها مقاطعا - بخصوصنا انت من سيقرر انا لن أضحي ببعثتي الدراسية ان كنت قادرا على منحي ثقتك التي امطرتني بها وانا بجانبك فاني على عهدنا باقية وان كنت لاتملك القدرة على ذلك فاني اقبل بكل اختياراتك عدا بعثتي فانا ماضية في قرار الدراسة بالخارج ولن أتنازل عن ذلك...... - صاح مزبدا: اذا انت من اختار لا تتوقعي مني الكثير ...أخذ علبة سجائره ومعطفه وانطلق مغادرا كانه لم يعرفها يوما كأن الذي بينهما ضباب انقشع مع اول شعاع للحقيقة ، لم ولن تتخطى الامر ادركت ذلك كادراكها للوجع الذي يعتريها لكنها مكرهة على ....... طفت كل هذه الذكريات امامها وهي تنتظره بذات المكان وذات الطاولة....... اقبل متهللا كعادته مع اختلاف التفاصيل بعض البياض غزى شعره الاسود الكثيف، ندبات الزمن تركت اثرا خفيفا في وجهه بعضه على الجبهة والبعض الاخر حول العينين .

- مرحبا دكتورة - أهلا هشام كيف حالك -الحمد للله قالها وهو يطيل النظر اليها..... - مالامر اخفتني - كنا نعتقد ان الحالة مستقرة وزوجتك تتماثل للشفاء لكن بعد الفحوصات الاخيرة اعتقد اننا سنستأصل الرحم نهائيا لذلك ارجو ان تساعدها على تقبل الوضع. - ماذا تقولين كل هذه السنوات من الصبر معها ولن احضى بالاولاد ، تبا كم هدرت من الوقت ، انت متأكدة قالها مشككا في قرارها.

- هذا القرار اخذه الفريق الطبي بعد الاستشارة ،ارجو ان لاتختلط عليك الامور ياهشام فانا طبيبة زوجتك وحسب.....ارجو ان تهيئها نفسيا..... - وانا من يواسيني من يعوضني عن خسارة الوقت والمال طيلة هذه السنين كان قراري بالبقاء معها خاطئا ..... اشمأزت وهي تسمعه فقد كانت كلماته تدين ماضيها معه . انهت اللقاء منسحبة ،كانت تشعر بالاسى على زوجته لكنها شعرت بالفرح والرضى عن قرار اتخذته ذات عشر سنوات مضت ........                                                                                            فدوى يحي (تونس)

نصوص ذات صلة

اعتاد أبو مستو الرجل النحيل المكافح المجد الراضي ، أن يستيقظ صباحا دون أن يأخذ قسطه الكافي من النوم ، ولكنه يؤكد أثناء وبعد استيقاظه وفي الوقت الذي يمضيه فور استيقاظه بالحمام أنه أخذ قسطه الكافي من... Read More
الأيوبي المُنتظر كتبتُ على حائِط حيّنا أنْ لا مكان للغرباءِ بينَنا أنِ احموا بيتَنا إنْ غَلّقوا الأبواب  أو نجّسوا التُراب فإنّ الطُهر للأرض قد روي من دماء الشهداء وعن أنجسِ الأذناب... Read More
  غَاليتـي ، يَـا من تَحملت غُربتنـا ، و حَملت في جوفها تعباً ... أَكتبُ لكِ الآن وسط غُبار النار المُتطاير هُنا وهُناك ، و رذاذ الشتاء المتهاوي على هذه الورقة و المُحمل بالبرد الذي يَشعرني... Read More