رسالةُ ميِّت - بثينة بوزيد

ها أنا ذا هنا قابع بين هذه الجدران الأربع المتصدعة،على سرير مهترء وملاءة اكل عليها الدهر وشرب، تتراقص اوصالي لبردٍ لاسلام فيه، انظر الى النافذة المكسورة التي غطاها رواق بالٍ ذو لون اصفر قاتم، انتظر مجيئ إحداهن لتقوم بغرز الإبرة في جسدي الذي انهكه المرض، يومان دون رعاية طبية اظن ان هذه الجدران التي حفظت سابقا أنات المرضى ستأكل أناتي كما فعلت معهم، أحاول استجماع فتات الذكريات فيصفعني وابل منها، أتذكر الرفاهية التي كنت أحياها، اسرتي الصغيرة التي كنت اعيلها، وامي المسكينة التي قذفتها في (دار العجزة) دون رحمة مني او شفقة، زوجتي التي أمرتني بذالك هاهي اليوم تسعى جاهدة لتقوم على الأولاد وثمن الكراء ومصاريف علاجي، اقصد زوجتي التي مذ دخلت المستشفى لم ارها الا مرات عديدات، اتذكر الخدم والحشم الذين كانوا يحيطون بي والمرارة التي عاشوها معي، وأبدا لاأنسى دعوة ذاك الرجل الذي كان يخدمني فقمت بصفعه وطردته، تأخذني الذكرى لطبقات شركتي التي كانت مليئة بالبشر الذين ينسبون الي، اين هم اليوم ! ، اتذكر يوم قالت لي أمي : " بني بالله عليك لاتفعل ! انا امك، كيف لي ان اعيش من دونك ؟ دعني هنا لاأريد منك مأكلا ولا مشربا فقط دعني انظر الى وجهك والى وجه احفادي الذين انتظرتهم لسنوات" فضحكت ضحكة ساخرة اعتصر معها قلبها من الألم، اتذكر وتؤلمني الذكرى، أشتاق اليوم لأمي، لحنانها، وطيبتها، لكل شئ فيها اليوم انا مشتاق ... !
اعرف جيدا انك لاتعلم انني يوم علمت بخبر مرضي كنت لاأزال قويا ببنية عضلية لاأقوى اليوم على رؤيتها في اي مرآة؛ عندما اتيت للمرة الأولى لهذا المستشفى وضعوني بغرفة فيها من طيبات الحياة مايليق برجل مثلي، لايمر اليوم دون حضور اكبر الأطباء في البلد والكثير من الممرضات اللواتي يسعفنني،اما عن المسماة بزوجتي فقد كانت تمر كل يوم لتتفقد حالي وأحوالي تُقبل جبيني بصدق زائف وتعود ادراجها، اخرج الى حديقة المشفى فأرى مايعانيه المرضى الآخرون ذوي الطبقات الفقيرة من الذل والهوان فأبتسم، لاأدري أكنت متلبسا بالشر ام ماذا !، وعلى حين غرة ضاعت كل ثروتي التي قضيت السنون في تحصيلها، خسرت شركتي وأعلنت إفلاسها،أخذوها ومنزلي حتى قطعة الخردة وهي سيارتي قد نهبوها، مرت علي الليالي طوال، لاتسعفني الأبجدية في ذكر مامر بي ولا التعبير عن معاناتي، عندما صفعت زوجتي البارحة في وجهي ورقة من المحكمة مضمونها ( الطلاق ) علمت انني خسرت كل مايمت لي مع هذا العالم بصلة، كل شئ اليوم قد فقدته...

عندما تقرأ رسالتي سأكون انا غادرت وهذه الرسالة سيجدونها بعد ان تتعفن جثتي في هذه الغرفة الكئيبة المظلمة التي لايزورها إنس ولا علم لي بالجان، اوصيك بعد ان تقرأ رسالتي هذه ان توصل سلامي لأمي وتقبل جبينها بحرارة وكذا كلتا يديها،وتطلب منها السماح عوضا عني،
لااريد بعد هذا شيئا سوى ان اخبرك ان الظالم سيظلم،والمال ليس كل شيئ، والزوجة بأخلاقها لا بجمالها، وأمك ثم أمك ثم أمك .... --
والسلام ^^

#بثينة_بوزيد --

نصوص ذات صلة

اعتاد أبو مستو الرجل النحيل المكافح المجد الراضي ، أن يستيقظ صباحا دون أن يأخذ قسطه الكافي من النوم ، ولكنه يؤكد أثناء وبعد استيقاظه وفي الوقت الذي يمضيه فور استيقاظه بالحمام أنه أخذ قسطه الكافي من... Read More
الأيوبي المُنتظر كتبتُ على حائِط حيّنا أنْ لا مكان للغرباءِ بينَنا أنِ احموا بيتَنا إنْ غَلّقوا الأبواب  أو نجّسوا التُراب فإنّ الطُهر للأرض قد روي من دماء الشهداء وعن أنجسِ الأذناب... Read More
  غَاليتـي ، يَـا من تَحملت غُربتنـا ، و حَملت في جوفها تعباً ... أَكتبُ لكِ الآن وسط غُبار النار المُتطاير هُنا وهُناك ، و رذاذ الشتاء المتهاوي على هذه الورقة و المُحمل بالبرد الذي يَشعرني... Read More